أخطا ء منهجية في النقد العربي الحديث.

كتبهاdescartes ، في 22 سبتمبر 2006 الساعة: 13:00 م

تقديم:

هناك ظاهرة نمارسها كثيرا في جامعاتنا وفي إنتاجاتنا الفكرية والنقدية ولكننا لا ننتبه إلى خطورتها على مستوى المنهج، يتعلق الأمر بالنسبة لنا في المبالغة الشديدة في التعامل مع المناهج النقدية المعاصرة دون معرفة تامة بخلفياتها النظرية والإبستيمولوجية،إن ما نشهده على صفحات المجلات وما نقرؤه في بحوثنا وكتبنا يكشف لنا أن النقاد يبالغون كثيرا في التعامل مع المنهج،دون تدقيق في خلفياته، وهو ما سنحاول تبيانه في المداخلة التالية.

1- هل المنهج معطى عام أم تجربة خاصة:

كانت الحاجة ملحة لطلب المنهج منذ اكتشف الإنسان أهمية العلوم الطبيعية في تقدم الإنسان، فالمنهج إذن مرتبط بحاجة إنسانية أساسية لتنظيم الحياة واستغلالها بشكل أفضل، يدل على هذا التنظيم المتطور لوسائل الإنتاج في مختلف الميادين المعرفية والتكنولوجية، ومع تطور العلوم الإنسانية استعار العلماء الكثير من المفاهيم الجوهرية لتقنين الظاهرة الإنسانية لجعلها أكثر دقة وأكثر نفعا ومردودية، كان المنهج في أوروبا مرتبطا دائما بالدولة وأساليب بنائها، فانتقل المفهوم الشاسع للمنهج إلى مفاهيم خاصة دقيقة يختص كل علم بجزء منها.

في ميدان الأدب استخدم المنهج في البداية لحصر الظاهرة اللغوية والتحكم في تشكلها، بعد ذلك سينفرد كل علم بمنهج خاص على مقاسه يستعمله دون غيره لدراسة الظاهرة الإنسانية، فللتاريخ مناهجه وللفلسفة مناهجها وهكذا، قد يظهر لنا علمان مشتركان في المنهج، وعند التحقيق نتأكد أن التشابه الذي بدا لنا ليس سوى خداع بصر،فالحقيقة أنه تشابه في الأسماء لا أقل ولا أكثر، ويصبح للتاريخ منهجه الخاص الذي لا يشبهه منهج آخر،وهكذا الفلسفة والأدب.

في نقدنا وكتاباتنا النقدية تختلط المناهج اختلاطا فظيعا ،ففي كتاب "تحليل الخطاب الشعري "لمحمد مفتاح ([1]) نجد أن كل المناهج اللسانية والسميائية تتعايش بدون أدنى مشكل ،فهو يصرح منذ البداية أنه " حينما نوينا الاستيحاء من اللسانيات والسيميائيات لتدريس الخطاب الشعري العربي والكتابة فيه…."([2]) ويورد كلاما طويلا يفهم منه أن من المستحيل في دراسة الشعر الأخذ من منهج واحد لأن المنهج الواحد في الدراسات الأدبية غير ممكن، وبالتالي فهذه عنده حجة ليقدم على اختيار ما يشاء من أي منهج شاء ما دامت هذه المفاهيم أولا وأخيرا تخدم الهدف من التحليل.

سطرت على كلمة نوينا لأبين أن النقد عندنا ينبني عن النيات وكأني بالناقد ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، (الحديث))، فإذا كانت النية تنفع المؤمن في فضائل الأعمال فإنها في النقد أصل البلاء، وكيف نقبل نقدا يبنى على النيات ويختار من المناهج ما يخدم غرضه، والعجب كل العجب أن الناقد واع كل الوعي بما يقول فهو يعرف أن الانتقادات التي يمكن أن توجه له من طرف الباحثين لذلك نراه يقطع عليهم الطريق من بدايته، موظفا المرجعية الدينية نفسها مجردا لها من سياقها الذي قيلت فيه، معتمدا قول أبي حنيفة رضي الله عنه: " هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه، ولا نقول يجب على أحد قبوله بكراهية". إن هذا النوع من الكلام لا يستقيم في النقد، بل هو حجة على صاحبه، فإذا كان أبو حنيفة قد قال ما قال فلمناسبة حاله مع حالة التعبد ،فكلامه ينصرف إلى مقامات العبودية والسلوك،وعلم التصوف عند المحققين مراتب ،فإذا فاتك طرف أخذت بطرف، وفي كل خير وليس الأمر هكذا في النقد، فلأهل الاختصاص ما به يتعارفون،ولو ترك الأمر في النقد هكذا ،أن يقول الناقد ما يشاء متى شاء دون ضوابط تقنن سلوكه ما كان للمنهج الذي يدعو إليه محمد مفتاح قيمة،بل ستصبح الفوضى هي المنهج المتبع.

وعليه فإن المنهج باعتباره مجموعة القواعد النظرية والمنظمة التي تسهم مجتمعة في التنظيم التقني للظاهرة تبقى دون أي معنى ويستوي في ذلك الناقد والقارئ والحرفي الذي اتخذ من طبع الكتب رزقا وهلم جرا.

2- الانتقائية في اعتماد المفاهيم:

المتأمل للحشد الهائل من النظريات والمفاهيم يشعر بالكثير من الاشمئزاز وهو يرى بأم عينيه كيف تجاورت اجتهادات تشومسكي مع اجتهادات بارت ([3]) الرجلان مختلفان في الثقافة الغربية وبينهما صراعات فكرية أساسية، فالأول ينظر إلى ما يسميه "براءة اللغة" في حين يتخذ بارت موقفا معاديا على أساس أنها مخادعة، وعلى الرغم من كون هذه الحقيقة من بديهيات الرجلين ،ولا أظن أن محمد مفتاح يجهلها، فإنه ببساطة لا يرى في الجمع بينهما أدنى مشكلة، فنحن عادة ندعو إلى السلام فلنكن إذا فاتحة خير على الرجلين لكي يتصالحا ويعودا إلى جادة الصواب.! إن الأمر خطير في كتاباتنا ،وهو ما يدعو إلى القلق خاصة وأن هذه الكتب تعتبر مرجعا أساسيا لطلبة الكليات،ومنها يتعرف الطالب على تطبيقات المنهج الصحيح.

إن الانتقائية تتمثل في أن الباحث الناقد يعمد إلى النظرية ويأخذ منها مفاهيم محددة مثلما فعل محمد مفتاح ،فهو يعمد إلى كريماص(Greimas) يأخذ منه مفهومي "التشاكل"و"التباين" ويأخذ من "Rastier" مفهوم التوسيع،ويكتفي بالإشارة إلى الجمل التي تحتمل هذا النوع من المقاربة ،وينتهي الأمر ،وكأن النظرية هي مصطلحات يبحث لها عن تطبيقات في النص،وننسى أن هذه المصطلحات هي في الأساس مفاهيم تؤطرها خلفيات نظرية شديدة التعقيد،وقد تكون بعض هذه المفاهيم تقدح حتى في خصوصيتنا،بل وفي معتقداتنا،ونحن في الغالب قلما ننتبه إلى هذه الأمور ،ظنا منا ببراءة اللغة كما يوهمنا بذلك تشومسكي نفسه.

إن هذه الطريقة لا تطور النقد عندنا بقدر ما تقوم بتشويهه ،ولذلك يمكن أن نقول إن حالة النقد عندنا ما تزال متذبذبة رغم التراكمات التي عرفتها في السنوات الأخيرة.وهو تذبذب يوضح مدى الفقر الذي نعانيه في مجال النظرية الأدبية ،والتشويش الكبير الذي لا يسلم منه حتى النقاد الذين لهم باع كبير في مجال النقد الأدبي .

هناك كتاب آخر يقوم فيه صاحبه بنفس العمل، ويعتمد فيه نفس الخطة،ولكن هذه المرة في جنس أدبي آخر هو نقد الرواية.إنه كتاب يقدم له صاحبه بأنه "مشروع" في نقد النقد الروائي (كذا) ،وكأن الغرابة والمصطلحات الفخمة التي تملأ الأفواه هذه الأيام،وهي موضة العصر قد أعمت الأعين وصمت الأفواه ؛فلم نعد نسمع إلا مثل هذا الكلام الذي لا يثمر شيئا،إنه كتاب "تحليل الخطاب الروائي" لسعيد يقطين فهو يشتغل عبر مستويين،فمن جهة يدعو إلى تأسيس نظرية عربية في الرواية لها خصوصيتها وتميزها ،في حين لم يشر في كتابه كله ولو لمفهوم عربي واحد، بل إنه يتفق مع محمد مفتاح في الطريقة الانتقائية التي يشتغل بها، بل أكثر من ذلك يقول النقاد الغربيين ما لم يقولوه وفي كتابه المشار إليه أمثلة كثيرة دالة على ما نقوله ، وقد ينسب لبارت ما قاله كافكا وهكذا،وقد يوهم القارئ بأنه صاحب الرأي والحق أنه أخذه من كتب غيره فلا يضع الأقواس مشيرا فقط أن من أراد أن يتوسع في الموضوع فعليه بالرجوع إلى كتاب يقترحه، وعندما ترجع إلى هذا الكتاب تجد أن الصفحة كلها منسوخة وقد توقفت على هذا في دراستي لسعيد يقطين دبلوم الدراسات العليا،وهي سنة سيئة ينبذها ديننا الحنيف وتحرمها الأعراف الأكاديمية المتعارف عليها بين الأكاديميين الشرفاء.

3- وبعد من يحمي النقد من سفهائه؟!

إن الرابطة القلبية الإيمانية التي يربى عليها المسلم، والفطرة الإنسانية التي أودعها الله تعالى فيه تجعله في غنى عن الكذب والتلفيق ،ومن هنا نفهم لماذا كان القدماء لا يوثقون كلامهم في الأدب وغيره بالطريقة التي نوثق بها نحن لاستحالة الكذب في حقهم لما جبلوا عليه من الصدق والإخلاص والمراقبة لله تعالى،وهي مقدمات ضرورية تعصم الناقد من الوقوع في مثل هذه الأكاذيب أكثر مما تعصمه "الأمانة العلمية الأكاديمية" لأن الناقد في هذه الحالة يشعر بأن الله تعالى يراقبه في حركاته وسكناته،وهو الأمر الذي لا يستشعره الناقد الذي يضع نصب عينيه الوصول إلى أهدافه بأسرع طريقة ممكنة.

لقد شعر الغربيون أنفسهم بالهوة التي وصلوا إليها في مجال القراءة والنقد فأطلقوا تسميات مختلفة على نفس المسمى مثل :شرف القراءة؛ميثاق القراءة، الأمانة العلمية، وكل هذه المصطلحات تصب في آخر المطاف في أصل ومعين واحد.

إن النقد الذي مارسه النقاد المسلمون مع تفاوته ومع بعض هفواته المحكومة بظروفه التاريخية والفكرية وطبيعة الصراعات السياسية ،كان أسلم وأقرب إلى الهدي القرآني منه هذه الأيام إلى درجة أن القدماء كانوا يتحاشون النقد إلا إذا اضطروا إليه، وكتب النقد التي كتبت ردا على كتاب قليلة إذا ما قورنت بالكتب المؤلفة أصلا، فقد يستشعر الناقد المسلم أن كتابا من الكتب قد غالى في مذهب من المذاهب ،أو أسرف في جزئية من الجزئيات فيهم بالتأليف في نفس الموضوع لاستدراك ما فات دون أن يشير إلى أنه ينتقد،وفي ذلك من التواضع للعلم والعلماء ما الله به عليم،أما نقادنا هذه الأيام فما يهم الرجل منهم يتهجى حروف الهجاء حتى يدعي أمام الملإ أنه صاحب مشروع فكري ،فإذا قرأته وأضعت فيه أياما وليالي ندمت على قراءته ووددت لو أنك استغرقت الوقت كله في قراءة نافعة.

خاتمة:

إن التخلق بأخلاق الإسلام ضرورة نقدية لا يمكن التفريط فيها ،إذ بهذه الأخلاق والشمائل المحمدية نكون متميزين بنقدنا عن باقي النقود، فإذا تساوينا معهم في مثل هذه التدليسات التي ذكرت بعضها في هذه الورقة وتغافلت عن كثير منها صونا لأصحابها،انحط أدبنا وضعف نقدنا،ولست أدري لماذا نتحدث عن كل شيء في كتاباتنا النقدية سوى الأخلاق التي أسميها بالشمائل المحمدية النقدية تشريفا لصاحبها عليه الصلاة والسلام، في حين يتحدثون في الغرب عن "أخلاقيات التفكيك"و"أخلاقيات المهنة" ولكن العقدة منهم هي التي أبقتنا الأرض فرضينا بالفتات النقدي من موائد المدارس النقدية المهيمنة.

الهوامش

[1] - محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص) ،المركز الثقافي العربي، ط3/1992.

[2] - نفسه ص 7.

[3] - محمد مفتاح ، ص 14- 15.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “أخطا ء منهجية في النقد العربي الحديث.”

  1. مواضيعك منهجية يبدو فيها التغيير عن المالوف شكرا لجهودك وبوركت



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر