مقدمة:
منْذُ اتصال الأدب المغربي بالأدب الغربي ،طرحت مسألة الجنس الأدبي بإلحاح على أساس أنه ضرورة فرضتها الأسئلة الثقافية والمناخ الجدلي الجديد الذي حاول أن يؤصل لمفهوم الهوية الثقافية كنافذة يؤطرها حضور الآخر وغيابنا من الساحة الفكرية سواء على مستوى الممارسة الثقافية أو على مستوى الأحداث الكبرى أو على مستوى إنتاج الدوال المعرفية وتأثيرها في الآخر. ومن هنا نرى أن فكرة تأصيل بعض الأجناس الأدبية كالقصة والمسرح لم يكن سوى رد فعل ونستدل على ذلك بالمعطيات التالية:
1- مسار التأصيل غير الذاتي (الوافد)
إن تأصيل المسرح والقصة القصيرة في المغرب لم يكن مبنيا على معطيات فرضها تطور الجنس الأدبي مثلما حدث في الغرب، بل إنهما ناتجان عن إملاءات الآخر القوي, يشهد لهذا أنه يصعب ربط المسرح المغربي بأي تجربة مغربية قبلية،بل على العكس من ذلك فقد كان مرتبطا بتأسيس مسرح سيرفانتس في طنجة سنة1913 ،ولم يخرج المسرح المغربي للوجود إلا سنة1956 حين انعقد آنذاك أول مهرجان للمسرح في المغرب، وفي هذه الحالة أيضا فإن جوهر العملية المسرحية كانت مرتبطة بالاقتباس ونمثل لذلك بالطاهر واعزيز وعبد الصمد الكفتاوي،قبل أن تظهر أسماء أخَر فيما بعد وتفكر في النصوص التراثية.
ولعل الأمر نفسه يقال في القصة القصيرة، فنحن ندرك الظروف التاريخية التي نشأت فيها القصة القصيرة في المغرب ،فالاتصال بالغرب هو العامل الذي دفع النقاد الأوائل إلى البحث في موضوع تأصيل آليات اشتغال جنس القصة القصيرة ،ومن هنا ندرك الخلط الواسع الانتشار في النقد المغربي بين القصة والرواية،بل بين الرواية والمسرحية في كثير من الأحيان.
كانت بداية القصة في المغرب الحديث ترتهن إلى مكونات بعيدة كل البعد عن هاجس التطور الداخلي للجنس ،إذ راح أغلب النقاد يطرحون أسئلة تتعلق بثقافة الآخر كعلاقة القصة بالمجتمع الإقطاعي،مسألة الوعي الثقافي ودوره في الروح الوطنية، في حين تبين الآن – وبشكل واضح- أن تلك الأسئلة رغم أهميتها المعرفية ،كانت بعيدة كل البعد عن المشاكل الحقيقية التي كان يعيشها المجتمع المغربي،وإنما كانت أسئلة استهلاكية أملاها الانبهار بالآخر وسلطته المعرفية.
كيف يمكن أن نطرح أسئلة الوعي الثقافي في مجتمع تمثل فيه الأمية النسبة الكبرى،بالإضافة إلى سيادة عقلية القبيلة والتفكير المركزي الأحادي الاتجاه،كل هذه العقبات ولدت لدى المثقفين في تلك الفترة شعوراً بالتفوق والتفرد لخلو الساحة من طقوس القراءة وإمكانيات النقد الواسع،صحيح أن النقد الجامعي سيكون له الفضل الأكبر فيما بعد لنشر قيم النقد وتقنيات البحث،وهو ما دفع النقد ليخطو خطوات واسعة،لكن مع ذلك نسجل أن المجتمع لم يكن يعرف ما يدور بالجامعة المغربية،ولم تكن الأسئلة المعرفية في دائرة اهتمامه.
من هذه الزاوية نقرر أن تأصيل القصة والمسرحية في المغرب لم يكن نابعا من تطور الجنس الأدبي وطقوس القراءة،إلى درجة أن تطور الجنس الأدبي كان في مسار،وحالة المجتمع في مسار آخر.وبذلك يحس القارئ المتمرس الآن أن التطور في مجال الكتابة والإبداع يرافقه تخلف في طقوس القراءة ،فلحد الآن ليست لدينا قاعدة ثقافية قارئة يمكن أن تسهم في بلورة الفعل الثقافي في بلادنا.
2- سؤال المرجع والبحث في الشكل التراثي:
في المرحلة الثانية من مراحل التعامل المباشر مع القصة والمسرح ،ظهر تلاميذ جدد كان همهم الأول هو الرجوع إلى "التراث"باعتماده مادة خاما نعبر من خلاله عن قضايا المجتمع،وفي هذا الرجوع وقعت أخطاء منهجية جسيمة بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة الوعي الخاصة بكل مبدع :ففي مجال المسرح تمثلت العودة للتراث في استلهام رموز جاهلية أو إسلامية كامرىء القيس أو الحلاج وحاول أصحابها تفعيلها في سياقات مختلفة تماما عن المحيط الذي نشأت فيه: فامرؤ القيس يسير في شوارع باريس ظنا من المبدع أنه بعمله هذا قد أنتج نصا قابلا للتعايش مع المتغيرات والجديد الدائم في مجال المسرح،في حين أن هذا النوع من المسرح الذي يعتمد مباشرة وبشكل أساسي عل اللغة لن يكون بإمكانه أن يصمد أمام الترجمة إلى اللغات الأجنبية لأن أساس التمسرح فيها هو اللغة وليس الفعل المسرحي.
وإذا شئنا أن نقارن- ولو بشكل بسيط- بين المسرح المغربي والمسرح التونسي في شخص عزالدين المدني و برشيد ،يمكن القول إن عز الدين المدني يوظف التراث فنيا،ويحافظ على الزمن الروائي وهذا واضح في اعتماده لغة الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، في حين لا يمكن الحديث في المسرح المغربي عما يمكن تسميته بالزمن الروائي، فعوض أن نذهب نحن إلى الم













