تأصيل الجنس الأدبي في النقد المغربي:القصة والمسرح.

سبتمبر 29th, 2006 كتبها descartes نشر في , نقد أدبي

مقدمة:

منْذُ اتصال الأدب المغربي بالأدب الغربي ،طرحت مسألة الجنس الأدبي بإلحاح على أساس أنه ضرورة فرضتها الأسئلة الثقافية والمناخ الجدلي الجديد الذي حاول أن يؤصل لمفهوم الهوية الثقافية كنافذة يؤطرها حضور الآخر وغيابنا من الساحة الفكرية سواء على مستوى الممارسة الثقافية أو على مستوى الأحداث الكبرى أو على مستوى إنتاج الدوال المعرفية وتأثيرها في الآخر. ومن هنا نرى أن فكرة تأصيل بعض الأجناس الأدبية كالقصة والمسرح لم يكن سوى رد فعل ونستدل على ذلك بالمعطيات التالية:

1- مسار التأصيل غير الذاتي (الوافد)

إن تأصيل المسرح والقصة القصيرة في المغرب لم يكن مبنيا على معطيات فرضها تطور الجنس الأدبي مثلما حدث في الغرب، بل إنهما ناتجان عن إملاءات الآخر القوي, يشهد لهذا أنه يصعب ربط المسرح المغربي بأي تجربة مغربية قبلية،بل على العكس من ذلك فقد كان مرتبطا بتأسيس مسرح سيرفانتس في طنجة سنة1913 ،ولم يخرج المسرح المغربي للوجود إلا سنة1956 حين انعقد آنذاك أول مهرجان للمسرح في المغرب، وفي هذه الحالة أيضا فإن جوهر العملية المسرحية كانت مرتبطة بالاقتباس ونمثل لذلك بالطاهر واعزيز وعبد الصمد الكفتاوي،قبل أن تظهر أسماء أخَر فيما بعد وتفكر في النصوص التراثية.

ولعل الأمر نفسه يقال في القصة القصيرة، فنحن ندرك الظروف التاريخية التي نشأت فيها القصة القصيرة في المغرب ،فالاتصال بالغرب هو العامل الذي دفع النقاد الأوائل إلى البحث في موضوع تأصيل آليات اشتغال جنس القصة القصيرة ،ومن هنا ندرك الخلط الواسع الانتشار في النقد المغربي بين القصة والرواية،بل بين الرواية والمسرحية في كثير من الأحيان.

كانت بداية القصة في المغرب الحديث ترتهن إلى مكونات بعيدة كل البعد عن هاجس التطور الداخلي للجنس ،إذ راح أغلب النقاد يطرحون أسئلة تتعلق بثقافة الآخر كعلاقة القصة بالمجتمع الإقطاعي،مسألة الوعي الثقافي ودوره في الروح الوطنية، في حين تبين الآن – وبشكل واضح- أن تلك الأسئلة رغم أهميتها المعرفية ،كانت بعيدة كل البعد عن المشاكل الحقيقية التي كان يعيشها المجتمع المغربي،وإنما كانت أسئلة استهلاكية أملاها الانبهار بالآخر وسلطته المعرفية.

كيف يمكن أن نطرح أسئلة الوعي الثقافي في مجتمع تمثل فيه الأمية النسبة الكبرى،بالإضافة إلى سيادة عقلية القبيلة والتفكير المركزي الأحادي الاتجاه،كل هذه العقبات ولدت لدى المثقفين في تلك الفترة شعوراً بالتفوق والتفرد لخلو الساحة من طقوس القراءة وإمكانيات النقد الواسع،صحيح أن النقد الجامعي سيكون له الفضل الأكبر فيما بعد لنشر قيم النقد وتقنيات البحث،وهو ما دفع النقد ليخطو خطوات واسعة،لكن مع ذلك نسجل أن المجتمع لم يكن يعرف ما يدور بالجامعة المغربية،ولم تكن الأسئلة المعرفية في دائرة اهتمامه.

من هذه الزاوية نقرر أن تأصيل القصة والمسرحية في المغرب لم يكن نابعا من تطور الجنس الأدبي وطقوس القراءة،إلى درجة أن تطور الجنس الأدبي كان في مسار،وحالة المجتمع في مسار آخر.وبذلك يحس القارئ المتمرس الآن أن التطور في مجال الكتابة والإبداع يرافقه تخلف في طقوس القراءة ،فلحد الآن ليست لدينا قاعدة ثقافية قارئة يمكن أن تسهم في بلورة الفعل الثقافي في بلادنا.

2- سؤال المرجع والبحث في الشكل التراثي:

في المرحلة الثانية من مراحل التعامل المباشر مع القصة والمسرح ،ظهر تلاميذ جدد كان همهم الأول هو الرجوع إلى "التراث"باعتماده مادة خاما نعبر من خلاله عن قضايا المجتمع،وفي هذا الرجوع وقعت أخطاء منهجية جسيمة بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة الوعي الخاصة بكل مبدع :ففي مجال المسرح  تمثلت العودة للتراث في استلهام رموز جاهلية أو إسلامية كامرىء القيس أو الحلاج وحاول أصحابها تفعيلها في سياقات مختلفة تماما عن المحيط الذي نشأت فيه: فامرؤ القيس يسير في شوارع باريس ظنا من المبدع أنه بعمله هذا قد أنتج نصا قابلا للتعايش مع المتغيرات والجديد الدائم في مجال المسرح،في حين أن هذا النوع من المسرح الذي يعتمد مباشرة وبشكل أساسي عل اللغة لن يكون بإمكانه أن يصمد أمام الترجمة إلى اللغات الأجنبية لأن أساس التمسرح فيها هو اللغة وليس الفعل المسرحي.

وإذا شئنا أن نقارن- ولو بشكل بسيط- بين المسرح المغربي والمسرح التونسي في شخص عزالدين المدني و برشيد ،يمكن القول إن عز الدين المدني يوظف التراث فنيا،ويحافظ على الزمن الروائي وهذا واضح في اعتماده لغة الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، في حين لا يمكن الحديث في المسرح المغربي عما يمكن تسميته بالزمن الروائي، فعوض أن نذهب نحن إلى الم

المزيد


أخطا ء منهجية في النقد العربي الحديث.

سبتمبر 22nd, 2006 كتبها descartes نشر في , نقد أدبي

تقديم:

هناك ظاهرة نمارسها كثيرا في جامعاتنا وفي إنتاجاتنا الفكرية والنقدية ولكننا لا ننتبه إلى خطورتها على مستوى المنهج، يتعلق الأمر بالنسبة لنا في المبالغة الشديدة في التعامل مع المناهج النقدية المعاصرة دون معرفة تامة بخلفياتها النظرية والإبستيمولوجية،إن ما نشهده على صفحات المجلات وما نقرؤه في بحوثنا وكتبنا يكشف لنا أن النقاد يبالغون كثيرا في التعامل مع المنهج،دون تدقيق في خلفياته، وهو ما سنحاول تبيانه في المداخلة التالية.

1- هل المنهج معطى عام أم تجربة خاصة:

كانت الحاجة ملحة لطلب المنهج منذ اكتشف الإنسان أهمية العلوم الطبيعية في تقدم الإنسان، فالمنهج إذن مرتبط بحاجة إنسانية أساسية لتنظيم الحياة واستغلالها بشكل أفضل، يدل على هذا التنظيم المتطور لوسائل الإنتاج في مختلف الميادين المعرفية والتكنولوجية، ومع تطور العلوم الإنسانية استعار العلماء الكثير من المفاهيم الجوهرية لتقنين الظاهرة الإنسانية لجعلها أكثر دقة وأكثر نفعا ومردودية، كان المنهج في أوروبا مرتبطا دائما بالدولة وأساليب بنائها، فانتقل المفهوم الشاسع للمنهج إلى مفاهيم خاصة دقيقة يختص كل علم بجزء منها.

في ميدان الأدب استخدم المنهج في البداية لحصر الظاهرة اللغوية والتحكم في تشكلها، بعد ذلك سينفرد كل علم بمنهج خاص على مقاسه يستعمله دون غيره لدراسة الظاهرة الإنسانية، فللتاريخ مناهجه وللفلسفة مناهجها وهكذا، قد يظهر لنا علمان مشتركان في المنهج، وعند التحقيق نتأكد أن التشابه الذي بدا لنا ليس سوى خداع بصر،فالحقيقة أنه تشابه في الأسماء لا أقل ولا أكثر، ويصبح للتاريخ منهجه الخاص الذي لا يشبهه منهج آخر،وهكذا الفلسفة والأدب.

في نقدنا وكتاباتنا النقدية تختلط المناهج اختلاطا فظيعا ،ففي كتاب "تحليل الخطاب الشعري "لمحمد مفتاح ([1]) نجد أن كل المناهج اللسانية والسميائية تتعايش بدون أدنى مشكل ،فهو يصرح منذ البداية أنه " حينما نوينا الاستيحاء من اللسانيات والسيميائيات لتدريس الخطاب الشعري العربي والكتابة فيه…."([2]) ويورد كلاما طويلا يفهم منه أن من المستحيل في دراسة الشعر الأخذ من منهج واحد لأن المنهج الواحد في الدراسات الأدبية غير ممكن، وبالتالي فهذه عنده حجة ليقدم على اختيار ما يشاء من أي منهج شاء ما دامت هذه المفاهيم أولا وأخيرا تخدم الهدف من التحليل.

سطرت على كلمة نوينا لأبين أن النقد عندنا ينبني عن النيات وكأني بالناقد ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، (الحديث))، فإذا كانت النية تنفع المؤمن في فضائل الأعمال فإنها في النقد أصل البلاء، وكيف نقبل نقدا يبنى على النيات ويختار من المناهج ما يخدم غرضه، والعجب كل العجب أن الناقد واع كل الوعي بما يقول فهو يعرف أن الانتقادات التي يمكن أن توجه له من طرف الباحثين لذلك نراه يقطع عليهم الطريق من بدايته، موظفا المرجعية الدينية نفسها مجردا لها من سياقها الذي قيلت فيه، معتمدا قول أبي حنيفة رضي الله عنه: " هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه، ولا نقول يجب على أحد قبوله بكراهية". إن هذا النوع من الكلام لا يستقيم في النقد، بل هو حجة على صاحبه، فإذا كان أبو حنيفة قد قال ما قال فلمناسبة حاله مع حالة التعبد ،فكلامه ينصرف إلى مقامات العبودية والسلوك،وعلم التصوف عند المحققين مراتب ،فإذا فاتك طرف أخذت بطرف، وفي كل خير وليس الأمر هكذا في النقد، فلأهل الاختصاص ما به يتعارفون،ولو ترك الأمر في النقد هكذا ،أن يقول الناقد ما يشاء متى شاء دون ضوابط تقنن سلوكه ما كان للمنهج الذي يدعو إليه محمد مفتاح قيمة،بل ستصبح الفوضى هي المنهج المتبع.

وعليه فإن المنهج باعتباره مجموعة القواعد النظري

المزيد